السبت، 16 يناير 2010

الكتابة والنشر في الإنترنت- ما بين حرية التعبير ومنع القذف والتشهير



لا يخفى على الجميع أن صفحات الإنترنت والمدونات الإلكترونية أصبحت أكثر وسائل النشر والتعبير عن الرأي إنتشاراً, فقد أصبح من السهل عليك أن تجلس أمام شاشة الحاسوب في ساعات فراغك, تترجم مشاعرك وأفكارك وأحاسيسك إلى كلمات تكتبها بالضغط على "أزرار" بلاستيكية على لوحة المفاتيح, فترتسم على تلك الشاشة الزجاجية التي أمامك جمل وصفحات, هي بنات أفكارك وخيالك.
أحياناً الكتابة في المدونات هي طريقنا للهروب من الواقع المر الذي نعجز عن تغييره, فنهاجمه بأقسى الكلمات على صفحات الشبكة العنكبوتية. وأحياناً ما تكون هذه الصفحات هي الوسيلة الأسهل لتفريغ غضبنا وإحتقان مشاعرنا ضد واقع مرير وحال تعيس نأبى التسليم به.
في أحيان أخرى كثيرة, تكون المدونات وصفحات الشبكة هي أسهل الطرق لنهاجم أولئك الأشخاص والرموز الذين نلومهم ونضع عليهم أوزار المجتمع, فترانا ننتقد بعضهم ونسخر من بعضهم الأخر, وأحياناً بعضنا يسبهم ويشتمهم.

قد يوافقني معظمكم اذا قلت أن معظمنا يشعر بأن حدود الكتابة على صفحات الإنترنت هي مفتوحة ولا محدودة, وبعضنا يعتقد أن من حقه الكتابة والحديث عن الذي يريده وبالطريقة التي يريدها من دون رقيب أو رادع, ويظن بعضنا أنه مسموح لك أن تنشر ما تريد وأن تشتم من تريد وأن تسخر ممن تريد, فأنت تجلس في غرفتك ربما في مكان معزول عن العالم, وحيداً مبتعداً عن الناس في أغلب الحالات, لا تشعر بالتهديد والخوف الذي ينتابك أحياناً حين إنتقاد شخص يقف أمام عينيك ويواجهك, خاصة وأنه يمكنك الكتابة متخفياً وفي إسم مستعار ودون أن يستطيع الناس معرفة هويتك وشخصيتك, فيكنك أن تسمي نفسك "داي الشجاع" أو "كونان" أو "مجرد عابر سبيل".
في الحقيقة هذا التصور خاطئ ومغلوط وهنالك الكثير من الأمور "الممنوع" كتابتها والتي تعتبر "غير قانونية" والتي من الممكن أن تعرضك للمشاكل ولطائلة القانون, وسأحاول التطرق الى الممنوع المسموح كتابته ونشره من منظور حرية التعبير عن الرأي وحدوده بقانوني منع القذف والتشهير وقانون حماية الخصوصيات في القانون الإسرائيلي.

من الجيد البداية بالقول أن المحاكم والقانون يعطيان أولوية كبيرة وأهمية لحرية التعبير عن الرأي خاصة في الإنترنت, ولكن هذه الحرية محدودة وتخضع لموازنات مع عدم القذف والتشهير بالأشخاص ومنع التعدي السافر على خصوصياتهم.

قانون منع القذف والتشهير (إيسور لشون هراع) يعطي في البند الأول تعريفاً واسعاً شاملاً "للقذف والتشهير" الممنوع, حيث يدخل فيه :
"أي شيئ نشره وإعلانه قد يؤدي الى إهانة شخص في نظر الناس, أو جعله هدفاً للكراهية أو للسخرية أو للإحتقار. كان الأمر متعلقاً بتصرفاته أو صفاته أو من الممكن أن يضر بعمله أو وظيفته. وأيضاً إحتقار الشخص بسبب لونه أو قوميته أو دينه وما شابه".

كما ترى أخي الحبيب الكثر من الأمور التي تنشر من الممكن أن تكون ممنوعة حسب القانون. وعلى فكرة, وسيلة النشر حسب القانون هي "كل وسيلة نشر" يعني برضو الشبكة العنكبوتية.
برضو على فكرة, القانون يعطي الشخص المتضرر من النشر حق التقدم بدعوى للمحكمة والمطالبة بتعويض مادي قد يصل الى 50,000 شيكل بدون إثبات أي ضرر. يعني مجرد النشر الذي يحوي على قذف وتشهير.

سيقول البعض يعني أذا كان هذا الحال فلنقفل المدونات والصفحات الإلكترونية! فالجواب هو لا ولا, لأن القانون يفصل المسموح واللممنوع وسأحاول شرح ذالك بتبسيط وفقط سأتطرق للأشياء التي تهمنا هنا , بس بعينكوا الله تتحملوا شويت ملل وضجر من الشرح.

المسموح كتابته بشكل مطلق:
إذا كان الشيئ المنشور هو حقيقة وصدق وفيه أهمية للجمهور. يعني مش بس الحكي مزبوط, لازم برضو يكون إشي يهم الناس. يعني ممنوع تحكي عن صاحبك إنو بخيل ونودنيك وبايخ حتى لو كان الحكي مزبوط, لأنه هذا الإشي ما بهم حدا (غيرك).
ولكن يمكنك أن تقول عن رئيس البلدية عندكم بالبلد أنه سرق كيس حليب من السوبر ماركت, لأن هذا الحكي مزبوط وصحيح ولأنه بهم أهل البلد, يعني إذا بسرق كيس حليب معناها شو مع الميزانية 50 مليون شيكل!!

اذا كان النشر هو بطيبة قلب ونية صافية وقلب أبيض فهذا الأمر مسموح إذا كان فيه أحد الأمور التالية:
· اذا كنت لا تعلم عن الشخص المتضرر أو أنه يمكن أن يكون في الأمر قذف وتشهير.
· أو اذا كانت نوعية العلاقة بينك وبين ذالك الشخص تضع عليك واجب قانوني أو أخلاقي أو إجتماعي بالنشر والإعلان. ( يعني أذا بدك تتبرأ عن صاحبك لأنه ما عزمك على فنجان قهوة أو لأنه قتل قتيل أو لأنه بدو يتجوز واحدة مطلقة 5 مرات وعندها 10 ولاد وعمرها 42 سنة فعندك واجب أخلاقي وإجتماعي تحكي قصته)
· برضو إذا كنت تدافع عن نفسك أو عن شيء يخصك أو عن حق لك فهذا مسموح.
· أو إذا كان النشر تعبيراً عن رأيك إتجاه تصرف شخص له مكانة أو منصب جماهيري, أو أتجاه أقواله أو ماضيه أو أراء هذه الشخص الناتجه عن تصرفه. ( يعني إذا أثنين مشايخ وقادة حركات إسلامية بهدلوا الإسلام ودارو يسبوا على بعض وهذا يقول للثاني إنت كذاب وهذا يقول للثاني أنت منافق وأقوالك عهر وعامل حالك شيخ- بهيك حاله بتقدر تحكي عليهن شو بدك وأنا بظهرك)

خلاصة الحديث, أذا كان قولك يبدأ بجملة أنا أعتقد وأنا أظن - يعني بتعبر عن رأيك وإعتقادك في أمور عامة فهذا على الأغلب مسموح-
أما اذا كان النشر هو إظهار الأمر على أنه حقيقة وواقع- فيجب أن يكون الأمر فعلاً كذالك وفيه أهمية للناس.

على فكرة, النشر ليس فقط بالمدونات بل أيضاً بالتعقيبات على المواضيع في المواقع المختلفة. فإذا كان النشر مسيئ فيمكن إلزام الموقع الناشر بكشف تفاصيلك- يعني البريد الألكتروني اذا وجد ورمز وموقع الحاسوب الذي تم منه النشر وما الى ذالك) يعني دير بالك بالتعقيبات.

في الحقيقة الموضوع أوسع من ذالك بكثير ولكن سنكتفي بهذا القدر منعاً للملل.

طيب سؤال أخير ؟ إذا نشرت في مدونتك صورة لشخص معين وهو مشترك في مظاهرة/ يصلي في المسجد/ يجلس في أروما/ يجلس في صالون بيته/ يجلس في مكتبه, فهل هذا مسموح أم ممنوع؟؟

الجواب هو أين وكيف تم تصوير الصورة وكيف يتم نشر الصورة وفي أي سياق! يعني للتوضيح:
قانون حماية الخصوصيات (هجنات هفرطيوت) ينص على الأمور الممنوعة وفيما بينها:

تصوير شخص بحالة وجودة في مكان خاص أو منعزل- ليس في مكان عام- يعني إذا كان موجود في بيته أو غرفته أو في ساحة منزله وما شابه فذالك التصوير ممنوع ونشر الصورة أيضاً ممنوع.
أما إذا كان الشخص يجلس في قهوة الجامعة أو على شاطئ البحر العام أو يسير في الشارع أو في مظاهرة عامة أو في المسجد فهذا التصوير مسموح.
هذه من ناحية التصوير نفسه ( حتى من دون نشر), ولكن بالنسبة لنشر الصورة فإن نشر الصورة يكون ممنوع اذا كان الأمر قد يتسبب بإهانة الشخص أو تحقيره حتى لو كان تصوير الصورة جائز. مثال:
إذا صورت صورة شخص وهو يشترك في مظاهرة قانونية ضد قسط التعليم الجامعي فهذا التصوير مسموح ونشر الصورة في مقالة بهذا الصدد مسموح. ولكن إذا نشرتها تحت عنوان أحداث شغب ومظاهرة غير قانونية قام بهم الشخص صاحب الصورة فهذا ممنوع.

أيضاً تصوير شخص وهو يجلس في أروما هو مسموح ونشر الصورة في سياق أروما والطلاب العرب أو أروما/عروبا فهذا مسموح. ولكن نشرها تحت سياق قهوة تبيع المخدرات والخمر في قرية عربية, فهي صورة نشرها يكون ممنوع لأنها تهين هذا الشخص وتحقره.

أرجو أن يكون في هذه المقالة بعض الفائدة المرجوة وأرجو أن أكون وضحت بعض من الأمور وأعتذر عن الملل والإطالة. وطبعاً إذا كان هنالك إستفسار عن حالة معينة فيسعدني أن أرد عليها على البريد.

الأربعاء، 13 يناير 2010

الشيخ رائد صلاح... شكراً (إقرأها في 7 دقائق)



كنت هنالك مع أولئك الذين إستطاعوا الدخول لمبنى المحكمة حيث قاضت دولة إسرائيل الشيخ رائد صلاح بتهمةٍ هي "مهاجمة" شرطي وإهانته وإعاقته في أداء وظيفته, وهذه التهمة هي الإدعاء أن الشيخ قام بالبصق على أحد رجال الشرطة.
قبل الدخول وعند وصولي لباب المحكمة كان هنالك عشرات الأشخاص يصطفون حول المدخل وأمامه, حيث تم السماح فقط لبضع أشخاص بالدخول الى المحكمة, وإصطف عشرات الشباب تبدو على ملامحهم سمات الترقب والتوتر, وكأن لسان حالهم يقول "الله يحمي الشيخ من ظلم الإحتلال".

على باب المدخل أبرزت بطاقتي الزرقاء التي تدل على مهنتي كمحامي, وكأنها كلمة إفتح يا سمسم قالها علي بابا على باب المغارة, فإنفرجت صفوف رجال الأمن لتسمح لي بالدخول.
تقدمت بضع خطوات لأرى ذالك الشخص فارع الطول عريض المنكبين, أصبح من العلامات الملازمة للشيخ, كان ذالك حراسه الشخصي الشيخ محمد والذي كان بحكم مهمته يلازم الشيخ كظله, عانقته وسلمت عليه حيث تجمع بيننا علاقة قوية من القرابة والألفة والصداقة, فهو عم زوجتي, سلمت عليه وأنا ألمح على محياه علامات الترقب والتوتر فحاولت التخفيف عنه قائلاً الله يفرج كرب الشيخ.
كان الشيخ يقف هنالك, بجانبه, محاط بعشرات الأشخاص إحاطة السوار بمعصم اليد, يلبس على رأسه قبعة بيضاء زادته وقاراً وهيبه, زينت قسمات وجهه إبتسامته الهادئة الواثقة من قدر الله, وبالرغم من ملامحه التي أظهرت عليه التعب والإعياء من كثرة الجهاد والرباط في سبيل الله, فكأن لسان حاله يقول للجميع, لا تقلقوا علي يا أبنائي, إن معي ربي سيهدين.

على طول الدرج الملتوي الذي يصعد للطابق الثاني إصطف عشرات المصورين والصحفيين, فاق عددهم العشرين. كل أمسك بكامرته يصوبها نحو الشيخ, كل يريد أن يلتقط لحظة يأس أو خوف على ملامح الشيخ, لكن أي منهم لم يرى عليه ذالك.

في الأعلى حيث قاعة القاضي "شمعوني" الملقب "بالمختار" عند المحاميين, كان العديد من رجال الأمن, قد وضعوا الحواجز ومنعوا الدخول لقاعة المحكمة إلا للشيخ وعدد قليل جداً من مرافقيه.
وقفت بجانب القاعة أنا وصديق لي يعمل بالمحكمة, بادرني بالقول أنه قبل أسبوعين أخبرهم أحد الأشخاص المطلعين في المحكمة, أن قرار الحكم سيكون بسجن الشيخ سجن فعلي. قلت له لا يمكن ذالك, فدرجة العقوبة على مخالفات مشابهة يمكن أن تصل ل 3 أشهر خدمة للجمهور كأقصى حد, ولكن أن يكون سجن فعلي فهذا أمر أستبعده, بعدها بدقائق تبين حجم خطئي.

في أثناء وقوفنا خرج "المختار" من غرفته كأنه يريد النظر الى عدد الناس الذين إصطفوا خارج القاعة. كان هو من القضاة الذين يحبون أن يكونوا وسط الإهتمام وترقب العيون لهم, وبعد دقائق عاد لغرفته ودخل قاعة المحكمة مستعداً لقراءة الحكم. حقيقة لم أتوقع هذه الحكم الجائر بالرغم مما أعرفه عن مواقف "المختار" السياسية, فهو من أصول عربية.

دخل الشيخ الى قاعة المحكمة وتم إغلاق الباب,وفي الخارج إنتظرنا النطق بالحكم مع الصحفيين والأشخاص الذين تم السماح لهم بالدخول.
وقفت أنا وصديق لي من أفضل المحاميين الجنائيين وصديق أخر يعمل بالترجمة كان قد حضر إحدى جلسات الشيخ. تحدثنا فيما بيننا عن ما سيحدث وعن "طاقم" المحاميين الذين يتولون الدفاع عن الشيخ, وكيف أن إدارة القضية كانت بشكل سيئ للغاية لا يتناسب مع مكانة الشيخ, وكان رأيي أن الشيخ يحتاج أن تكون معه نخبة من المحاميين المتميزين إذا أراد بالفعل اللعب وفق قوانين الإحتلال وقوانينه.

بعد دقائق بدأ الصخب والضجيج يعلو, علا صوت أحدهم ليقول أن المحكمة قد فرضت السجن الفعلي 9 أشهر على الشيخ. بداية لم أصدق ذالك وسألت صحفياً أظنه يعمل في جريدة "هأرتس" أكد لي الخبر.
بدأت جموع الصحفيين تتفرق, بعضها إنتظر الشيخ لتصوير ملامحه, وبعضهم الأخر نزل لمدخل المحكمة حيث كان أحباء الشيخ ينتظرونه, وحيث كان من المتوقع أن يخاطبهم الشيخ كما عودهم.

نزلت أنا لمدخل المحكمة يعتصرني الغضب والألم, فأنا أعرف ما معنى أن يدخل شخص السجن, وأعرف قسوة الإحتلال ومدى حقدهم على الشيخ, فهو من القادة القلائل الذين لا ينافقون ولا يغازلون الإحتلال ولا يوادد السلطات. أغضبني أكثر ما أغضبني أنه لم يكن بإستطاعتي فعل شيئ للشيخ, تمنيت لو أني كنت داخل المحكمة لأفعل ما أظنني أمتاز به, ولو على الأقل إسماع كلمة حق لدى سلطان جائر, أو على الأقل تفريغ غضبي.
كانت تلك لحظات نادرة تحصل لي مرة بضع سنوات, تمنيت فيها لو أني كنت فيها من أبناء الحركة الشمالية لأدافع بها عن الشيخ في المحكمة, ففقط أولئك يمكنهم الوصول الى الشيخ.

وقفت جانباً أراقب وجوه الشباب الذين إصطفوا بالخارج ينتظرون رؤية الشيخ والتعبير له عن حبهم, كان أحدهم يقود الجموع بتكبيره وبصراخه " شيخ الأقصى .. رائد" وكان الجميع يردد وراءه.

أخيراً خرج الشيخ من باب المحكمة, أخذ صراخ الشباب وتكبيرهم يعلو. لوح لهم الشيخ بيده والإبتسامة لا تفارق محياه, وكأنه يقول لهم, لا تحزنوا علي, فالسجن لن يزيحني عن دعوتي ولا عن عن قضيتي, فالسجن للأبطال والمجاهدين والأنبياء, فهل من قدوة أفضل من يوسف الصديق نبي الله؟ وهل من قدوة خير من سيد المجاهدين الشيخ أحمد ياسين؟ وهل من أبطال خير من عمر المختار؟ كلهم سجنوا ظلماً ولكن أي منهم لم يتخلى عن مبادئه ودعوته الى الله.

كان الشيخ يشبه أكثر ما يشبه عمر المختار في عزته وشموخه وجبروته. تفحصت ملامحه عن كثب محاولاً إستكشاف مشاعره, بالرغم من جبروته فقد لمحت في الشيخ بعض الحزن, تلك النظرة رأيتها مرات عديدة على وجوه المظلومين في المحاكم. كانت نظرة لا بد منها تظهر من دون سيطرة لك عليها.

لحظات وبدأت خطابات قصيرة لقيادات الجماهير العربية, تكلم فيها محمد زيدان رئيس لجنة المتابعة ومحمد بركة رئيس الجبهة, وأخرين لم أهتم لسماعهم.
أحببت لو أن قادة إسلاميين من الحركة الجنوبية تنازلوا عن بعض من كرامتهم وتواجدوا للتضامن مع الشيخ, فهذا أقل واجب إتجاه أخ مسلم, بل هي قد تكون أكثر خطوة سياسية حكيمة, ولكن كما يبدو فإن ران القلوب وقسوة التشقق والإنشقاق منعت النور والحكمة من الوصول للعقول كما القلوب.

سررت حين إنتهاء خطابات اولئك "القادة", حقيقة أنا لا أرى أياً منها يمثلني, فقياداتنا وللأسف ضعيفة ولا ترتقي لمستوى المسؤوليات والأولويات, ولكن كما يبدو فإن حال مجتمعنا لا يستحق قادة أفضل ييسرهم الله لنا.

بعد لحظات من الصمت تحدث الشيخ, بنبرته القوية الهادئة التي تبعث في القلوب الإطمئنان والثقة بقدر الله, طمأن محبيه على حاله, وأكد أن شيئاً لن يزيحه عن دربه وعن قضيته, وإن كان لا بد من السجن ثمناً للجنة فنعم الثمن يدفعه.كانت كلماته قصيرة ومختصرة, أنهاها الشيخ وكأنه يريد الجلوس مع نفسه وأهله للراحة والتفكير في المستقبل والمصير.
رأيت سائق سيارة الشيخ يذهب لإحضار سيارته , وعرفت أنها لحظة فراق الشيخ, كان الكثير من الشباب يعانقون الشيخ ويقبلونه, محتاجين هم أكثر منه للثبات والصبر, فكأنه حتى في تلك اللحظات يزرع الثبات والصبر في الشباب.
خجلت أنا من الشيخ ومن عناقه, فأنا لم أجد أن أحداً قدم للإسلام مثلما قدمه الشيخ حتى يستحق عناقه. فإكتفيت بالنظر اليه من بعيد.

على بعد خطوات منه إعتلى نائب الشيخ حاجزاً حجرياً كان على الأرض, فبدا النائب أطول من الموجودين ولكنه لم يكن في علو الشيخ وزهوه, ربما حاول الصعود على ذالك الحاجز ليبدو في مكانة الشيخ, لكن أحداً لم يكن في مكانة الشيخ.
لحظات ونزل النائب عن الحاجز, ربما لاحظ أن المكان والموقف لا يسمح بالإرتفاع فوق الشيخ, فحتى لو أن الشيخ دخل غياهب السجن فسيبقى هو النائب والشيخ هو الشيخ. تحدث النائب الى الجموع محاولاً تلطيف الموقف وإظهار بعض من روح الدعابة كأن ما حدث هو أمر عابر, وكأن الشيخ إعتاد على السجن, وكأن الجموع إعتادت على غياب الشيخ. ولكن أي من الجموع لم يعتد على غياب الشيخ وفراق الشيخ, فقد كان يعيش فيهم وفي قلوبهم, فهو القائد الوحيد الذي يلهب مشاعر الجماهير ويظهر بالرغم من مكانته كواحد من الشعب.
نظرت إلى النائب وقلت في نفسي, لو أنك تكون يوماً بشجاعة الشيخ وأن تجرب مراراً السجن عنه, علك تريحه من بعض الثقل الذي يضعه على عاتقه.

مضت لحظات وتوقفت السيارة السوداء أمام الشيخ, لوح بيده للجموع ونظر إليهم نظرة محبة وفراق أخيرة, سارع الشيخ بالدخول للسيارة, دخل الحارس الشخصي للسيارة وراءه وأغلق الباب وراء الشيخ. سارت السيارة السوداء تشق صفوفها بين الحشود مبتعدةً عن الأنظار.
لقد تركنا الشيخ.
مضت لحظات وتلبدت السماء بالغيوم السوداء, سرعان ما بدأ المطر بالهطول. لا أدري أهي أمطار الخير والبركة أم هي السماء تبكي حزناً لمصاب الشيخ.

الثلاثاء، 12 يناير 2010

مصلى الرجال في هداسا عين كارم, كهف تحت الأرض يشع منه نور الإسلام



شاء الله أن أكون قبل يومين في صلاة "الإفتتاح" لمصلى الرجال في مستشفى هداسا عين كارم, وكانت صلاة العشاء.
كنت حينها في زيارة لأخ حبيب يدرس موضوع الطب في هداسا عين كارم, وكان هدف الزيارة الحديث في شؤون حركة الرسالة الطلابية التي ننشط فيها أنا وهو, خاصة وأننا كنا على مشارف إنتخاب إدارة جديدة للرسالة, وبحمد الله تم إنتخاب إدارة جديدة لدعوتنا, هي ربما أكثر الإدارات تميزاً في السنوات الأخيرة.

كنا نجلس ونشرب القهوة حين أخبرني أخي أمير بأن الأخوة الشباب دعوه "لإفتتاح" مصلى الرجال في المستشفى وأنه ستكون هذه أول صلاة في المصلى, وأن الأخوة ينوون تأدية صلاة العشاء فيه.

أحببت الفكرة وإشتقت للصلاة في جماعة مع الإخوان من طلاب الجامعة, فدائماً ما تعيدني هذه الذكريات لأيام جميلة قضيتها في الجامعة, كانت هي أيام الشباب. هي الأيام التي تحدد فيها لنفسك الطريق التي تريد أن تسلكها في حياتك.
فالجامعة هي المحضن لشخصيتك وبوصلة القيادة لمستقبل حياتك. ففيها تتحدد مهنتك وشخصيتك, وفي كثير من الأحيان تبدأ مرحلة الإلتزام فيها, وفيها تتبلور شخصيتك كقائد يسير معه الناس, أم إمعة يسير مع الركب السائر, وأحياناً أخرى تبدأ مرحلة الإنحلال والإنفلات في الجامعة, كل يختار مساق حياته.

أخبرني أخي أن اللقاء في الساعة السابعة, وسألته من القائمين من الشباب على "الإفتتاح" فأخبرني "الشباب" الملتزمون في السكن. أحببت ذالك كل المحبة, فقد كان أكثر الناس حباً الى قلبي أولئك الشباب الملتزمون, مع أن لبقية الطلاب محبة في قلبي, حتى العصاة أحببتهم من باب الرحمة والرأفة بهم والشفقة لحالهم, إلا أن الشباب الملتزمين كانوا مفخرةً لكل مسلم, فحال الجامعات وسهولة الإنحلال والتحلل فيها تجعل الملتزم درة ثمينة تهواها القلوب والنفوس .

سرنا الى المبنى الرئيسي للمستشفى, نزلنا تحت الأرض بطابقين. قطعنا عشرات الأمتار سيراً تعلونا أنابيب غريبة ذكرتني بسفن الفضاء, وضجيج الماكنات تحت الأرض كان يهدر في أذني يعيد الى ذاكرتي ذكرى أيام قضيتها في العمل في مصانع النسيج. عبرنا من باب للأمان تمر من خلاله بعد ثوان من الإنتظار حتى ظهور ضوء أخضر, فتشعر في خلجات نفسك كأنك في فرن ذري للسلطات الإيرانية حيث مركز أنظار العالم.

حتى بعد المسير لعدة دقائق لم نجد المصلى,فلا لافتات ولا إشارات تدل أنه من الممكن أن يكون في ذالك المكان المعزول عن العالم مصلى, فالمكان أشبه بمنجم من مناجم الفحم في الصين, حتى ضابط الأمن الذي وجدناه تحت الأرض لم يعرف المكان, وبالرغم من سؤال صديقي له عن وجود شباب عرب "حيبري عربيم" في المنطقة, فإن ذالك لم يساعد في شيئ.

جاء الفرج بعد أن دخلنا في متاهات وسراديب عديدة, وبعد أن رأينا شخصاً أخر سألناه عن "باب الكهان" "شاعر كوهنيم" فأشار إلينا بالاتجاه المطلوب.

كان المكان مدخلاً لأحد ملاجئ الأمان في المستشفى, على بابه علقت لافتة بيضاء كتب عليها بالخط الأحمر "مصلى للرجال", عبرنا الباب ودخلت متقدماً برجلي اليمنى كما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام قارئاً دعاء الدخول للمسجد: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك".
دخلت المصلى, فإذا هو بمساحة حوالي 50 متراً, فرشت معظم أرضيته بسجادات الصلاة, وتزينت جدرانه ببعض الملصقات الدينية من أيات القرأن الكريم وأحاديث الرسول, وإعتلت تلك الرفوف الصغيرة التي تسلقت الحائط بضع مصاحف وكتب دينية, كان أحدهما رياض الصالحين.

كان قد سبقنا للمصلى أخوين طيبين كلاهما تسمى بإسم الرسول, كلاهما محمد, وأخ أخر هو علي على إسم علي بن أبي طالب, وأسأل الله لهم أن يكونوا من أحباء النبي محمد ومن الذين يشربون بيده من الحوض.
بجانب غرفة الصلاة كانت غرفة صغيرة للوضوء, توضأت وأسبغت الوضوء وصليت محاولاً الخشوع بكل جوارحي ركعتي تحية المسجد, فهذه صلاتي الأولى في هذا المصلى عله يشهد لي يوم القيامة أني قد صليت فيه.
تبادلنا الأحاديث مع الأخوة لبضع دقائق, وأذ به يعلو من خلفنا صوت وصخب, كانوا مجموعة من الأخوة الذين جاءوا للصلاة ولللإفتتاح. كان عددهم 8 إخوة, سلمنا على بعضنا وتعانقت مع بعضهم, فكلهم أخوة لي أشهد الله أني أحبهم, والسلام بين الأخوة والمتحابين بالله هو سنة وهدي من هدي النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
بدأنا نرتب صفوفنا للصلاة, وإذا بأحد الأخوة يفتح مظروفاً أحضره معه ليخرج منه قميصاً أخضر "بلوزة" طبع عليها شعار لإحدى الحركات الإسلامية, رمى بها لأحد الأخوة قائلاً له إلبسها, فعلق عليه أحد الإخوة هو أحد المحمدين قائلاً, ما هذه الدعايات؟ هل جئنا للصلاة أم لحفلة؟ تبسمت لملاحظته التي عبرت عن ما جال في فكري.
أخوين أخرين لبسا هما أيضاً قميصاً أخضر فوق ملابسهما وتقدم أحدهما بعد طلب الإخوة منه ليؤم بنا في الصلاة, فقد كان أخاً يشهد له بالسيرة الحسنة والخلق الطيب ويحفظ عدة أجزاء من القرأن الكريم ويتقن القراءة. كان صوته عذباً ممتزجاً بنبرة صوت قوية زادته تأثيرأ في النفوس, فخشعت نفسي وكنت أدعو الله في سجودي أن يديم المحبة والأخوة بين المسلمين, فنحن أبناء دين واحد, نبينا واحد ونصلي صلاة واحدة لرب واحد ولكن هوى النفوس وطمع الدنيا ونزغة الشيطان فرقتنا.
سلمت على الأخوة بعد الصلاة, أستمحتهم عذراً للإنصراف مبكراً فقد كانت أختي وزوجها وبناتها في زيارة للقدس وكانوا قد سبقوني الى بيتي ينتظرون قدومي للعشاء.
عانقت بعض الأخوة من جديد وتركت المصلى أنا وأخي مودعين الشباب, متحدثين عن حلاوة الصلاة في جماعة وفي مصلى, حدثت صديقي عن رغبتي في أن يكون في كل حرم جامعي مصلى, ورجوت أن يكون في جبل المشارف مصلى يزدان فيه الحرم الجامعي, فللأسف لا زالت سلطات الجامعة تتهرب من تخصيص مصلى هنالك, وبالرغم من طلبات وضعت أمام الجامعة, لا زالت تحترف التهرب من تلبة طلبنا.
سرنا من جديد في نفس الدهليز تحت الأرض, وصلنا لأخر مفترق قبل الخروج, نظرت خلفي لأرى ذكريات المصلى, فلمحت ذالك الأخ يخلع عنه قميصه الأخضر ليزدان صدره بملابس بيضاء من دون شعارات, كانت تلك أخر ذكرى من ذكريات المصلى.

الأحد، 10 يناير 2010

الخميس، 7 يناير 2010

أوامر الهدم- تعددت الوسائل والهدم واحد

هدم بيوت العرب في اسرائيل والتضييق عليهم ومنعهم من إستغلال أراضيهم والبناء عليها هي التحدي الأكبر أمام المواطنين العرب في اسرائيل, وهي الوسيلة المفضلة لدى إسرائيل لسرقة أراضي العرب ومصاردتها ومنعهم من التوسع في قراهم ومدنهم.

سأحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على الطرق الأساسية والقوانين الرئسيسة التي تعتمدها السلطة الاسرائيلية لهدم البيوت العربية, ومن خلال التحليل البسيط للقانون سأعطي بعض النصائح لكيفية مواجهة أوامر الهدم, بعضها نصائح ما قبل اصدار أوامر الهدم ومنع صدورها, وبعدها ما بعد صدور أمر الهدم بمحاولة لإلغائه.

القانون الرئيسي الذي تعتمد عليه إسرائيل هو قانون التخطيط والبناء 1965 والذي يرسم ثلاث طرق رئسية وثلاث أنواع من أوامر الهدم, وهي: أوامر هدم إدرية. أوامر هدم قضائية بدون إدانة, وأوامر هدم قضائية مع إدانة.
سأحاول تلخيص أهم الأساسيات لأوامر الهدم بناءاً على بنود القانون المختلفة والسوابق القضائية دون سردها وتفصيلها.

أوامر الهدم الإدارية:
تستند أوامر الهدم الإدارية على البند 238أ لقانون التخطيط والبناء لعام 1965 والذي ينص على أنه يحق لرئيس اللجنة المحلية للتخطيط والبناء (نفس الصلاحية معطاة لرئيس اللجنة اللوائية) إصدار أمر هدم إداري ضد بناء إذا توفرت الشروط التالية مجتمعة:
أ‌. أقيم البناء بدون ترخيص.
ب‌. المبني غير مسكون مدة تزيد عن 30 يوم.
ت‌. المبني غير جاهز ولم تنتهي أعمال البناء فيه مدة زادت عن 60 يوم.

القانون ينص على أنه يجب تقديم تصريح مشفوع بالقسم من قبل مهندس البلدية الذي يؤكد توفر الشروط المذكورة أعلاه قبل أصدار أمر الهدم الإداري. ويجب إصدار أمر الهد خلال 30 يوماً من يوم تقديم تصريح المهندس.
أمر الهدم الإداري ساري المفعول لمدة 30 يوم فقط. ويدخل لحيز التنفيذ بعد 24 ساعة من إلصاق أمر الهدم على المبنى.

كما ترى فإن أمر الهدم الإداري موجه ضد الأبنية الجديدة التي هي في طور الإنشاء والتي لم تسكن فترة تزيد عن شهر, والقانون الإسرائيلي بنصه يجعل مهمة إلغاء أمر الهدم ضد المباني التي مازالت طور الإنشاء "مهمة شبه مستحيلة".
* بالرغم من الشروط الضيقة لأمر الهدم الإداري والتي تجعل مهمة إلغائه صعبة, إلا أنه وحسب السوابق القانونية فإنه يمكن إلغاء أمر الهدم الإداري بالرغم من الشروط أعلاه إذا وقعت في عملية إصدار أمر الهدم أية شوائب من مجال القانون الإداري. مثل عدم وجود تشاور حقيقي جدي بين رئيس اللجنة والمستشار القانوني. عدم معرفة رئيس اللجنة بوقائع مهمة يمكن أن تؤثر على قراره وغيرها الكثير.

أوامر الهدم القضائية بدون إدانة:
أوامر الهدم من هذا النوع هي أوامر الهدم التي يتم إستعمالها أساساً في منطقة البستان في سلوان القدس وفي النقب لهدم البيوت العربية المسكونة منذ سنين.
أمر الهدم من هذا التوع يستند على البند 212 لقانون الهدم والتدمير الإسرائيلي والذي ينص أنه يمكن للمحكمة أن تصدر أمر هدم قضائي ضد بناء غير مرخص إذا توفر أحد الشروط التالية.
1. لا يمكن العثور على الشخص الذي قام بمخالفة البناء.
2. لا يمكن إيصال دعوى من المحكمة للشخص الذي قام بمخالفة البناء.
3. الشخص الذي قام ببناء المبنى لم يعد مالك المبني.
4. لا يمكن إثبات هوية الشخص الذي قام بالبناء.
5. الشخص الذي قام بالبناء توفى أو لا يمكن تقديم محكمة ضده لسبب قانوني. (بسبب التقادم, أو قرار براءة سابق أو غيره).
هنالك شرط إضافي يجب أن يتوفر مع أحد الشروط أعلاه حتى يتم إصدار أمر هدم من هذا النوع وهو, وجود مصلحة عامة وجماهيرية التي تدعم وتؤيد هدم المبنى ( مثل البناء في شارع أو منطقة عامة وغيره).

هذا النوع شائع أيضاً في منطقة المثلث وذالك لأن "المصلحة العامة" من جهة نظر القانون الإسرائيلي هي أيضاً البناء في منطقة لا يوجد بها مخطط بناء أو منطقة خضراء.
الطريقة الأمثل لمهاجمة أمر الهدم من هذا النوع هي "مهاجمة" المصلحة العامة وضحدها.

أوامر الهدم القضائية مع إدانة:
أوامر الهدم هذه هي الشائعة, وتتم بعد تقديم لائحة إتهام ضد الشخص بسبب قيامه ببناء بدون ترخيص, يتم تغريمه بالمحكمة وإلزامة بدفع غرامة مالية, ويتم إصدار أمر هدم مؤجل لفترة بضع أشهر حتى يحاول الشخص العمل على إصادر رخصة بناء. في حالة عدم إمكانية الحصول على رخصة بناء وعدم مصادقة المحكمة على إعطاء فترة تمديد إضافية للعمل على ترخيص المبنى , يمكن هدم البيت عن طريق اللجنة المحلية أو اللوائية.
( ملاحظة مهمة:- لا يمكن هدم البيت عن طريق لجان البناء الا إذا تم تخويل لجنة البناء بذالك صراحة في قرار الحكم الأصلي).
إذا لم يكن هنالك تخويل للجنة البناء بهد البيت, فعندها يتم تغريم الشخص بمخالفة أخرى, وأحياناً بسجنه حتى يهدم هو بيته بيده.

أهم نصيحة في أوامر الهدم هذه هي أن لا تعطي المحكمة تخويل وصلاحية للجان التنظيم والبناء بهدم البيت, وعندها لا يمكن هدم البيت الا اذا قام صاحب البناء بهدمه بنفسه ويمكن فقط سجنه وتغريمه.
طبعاً هنالك عدة طرق ووسائل لمواجهة لائحة الإتهام وإصدار حكم براءة ضد المتهم.

هذا ملخص بسيط وعلى عجالة, لأني بعرف أنو هيك مواضيع مملة شوي, ولكن على كل حال يمكن أن يستفيد البعض من هذه الأسطر ويسعدني إعطاء الأجوبة على كل إستفسار.


الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

إبراهيم ناشف ومحمد نجم, أخوة منسيين في زنزانة الظلم


لا زلت أذكره, أتذكر صمته وضحكته الهادئه. فقد إلتقيت به عدة مرات في مناسبات ومحاضرات إيمانية في الجامعة العبرية, أتذكره جيداً لأنه كان يشبه بشكل كبير طالباً أخر من بلدي, كان فعلاً يشبهه حد التوأمة, حتى أني في المناسبات الثلاث كنت أسأله إذا كان من بلدي وإن كان هو هو ذالك الطالب إبن بلدي, فكان يخبرني كلا, إسمي إبراهيم ناشف وأنا من الطيبة.
في المرة الثالثة إلتقيت به في جبل المشارف, على باب قاعة من قاعات الطبيعة, ومنذ حينها علقت صورته في ذاكرتي.

كانت حادثة إعتقاله هو والأخ محمد نجم كصاعقة نزلت من السماء. لا زلت أذكر إتصال الأخ محمود حاج يحيى لي ليخبرني عن حادثة إعتقالهم, وليطلب مني الذهاب الى السجن لومعرفة الخبر والإطمئنان عليه, فكوني محامياً يسمح لي بذالك.

ذهبت للسجن في المسكوبية وسألت عنه فلم يسمع به أحد, وذهبت الى غرفة الإعتقالات والى قسم الأقليات, فكان الجواب نفس الجواب.

عدت في اليوم التالي وكنت قد إستفسرت من أحد زملائي المختصين بالقضايا الجنائية فأخبرني أن أسأل عن القسم رقم 20, وهو المعروف بالإسم المميز "غرفة العصافير", وهو قسم الشاباك والقضايا الأمنية, وهو أكثر أقسام السجن قسوةً ووحشة, حيث أن القانون يسمح للدوائر الأمنية منع السجين المتهم بقضايا أمنية من الإلتقاء بأهله أو التواصل معهم أو حتى إلتقاء محامي على مدار عدة أيام وذالك بحجج ودواعي أمنية.

في ذالك اليوم, وكان اليوم الرابع بعد إعتقال الأخ إبراهيم, أخبروني في دائرة السجن أنه تم نقله الى سجن أخر في منطقة المركز.

مرت عدة أيام وجميع طلاب الجامعة في حالة خوف وترقب وهلع, فأحد منهم لم يعلم سبب إعتقال الشباب, ولكن الشائعات كانت تدور في أروقة المساكن وتنتقل بصمت كانتشار ظلمة الليل الداكن, حتى مرت بضع أيام وإذا الصحف ومواقع الأنترنت تتحدث عن كشف خلية للقاعدة تعمل في الجامعة العبرية وخططت لإسقاط طائرة جورج بوش, وأنه تم تقديم لائحة إتهام بحقهم.

طالعت لائحة الأتهام وإذا هي تنسب للإخوة تهمة إنتماء لمنظمة إرهابية هي القاعدة, وتتهمهم بدخول مواقع تابعة للقاعدة وبالتخطيط لتنفيذ عملية إرهابية ولإسقاط طائرة رئيس الولايات المتحدة جورج بوش, وذالك بإستعمال صورايخ أو مواد متفجرة.

بحكم معرفتي بعقلية طلاب الجامعة, وبعقلية النظام الإسرائيلي الشاباكي, كان واضحاً أن هذه القصة خيالية ولا تمت للواقع بصلة, وأنه من الحماقة الإعتقاد أن طالباً في الجامعة سيفكر بتنفيذ هذا المخطط الساذج, لإغتيال أكثر شخصية محمية في العالم!

كما أنه كان واضحاً أن الهدف من هذا الإعتقال والضجة الإعلامية وطريقة تنفيذ الإعتقالات, والتي تشيه معركة حربية, ما هي إلى حلقة أخرى من مسلسل الترهيب والتخويف للمواطنين العرب, ولإبقائهم بحالة الخوف وعدم رفع الرؤوس بل حتى التفكير في تغيير الواقع المر.

هذه الحلقة تضاف إلى حلقات أخرى من دعوة الكثير من طلاب الجامعات للتحقيق في الشاباك ومحاولة تجنيدهم للشاباك, وعلى الأقل وإذا لم ينجح الأمر, يبقى الطالب في حالة خوف مستمر ودائم وفي حالى قبول وخضوع للواقع الموجود.

أكثر ما أحزنني وأغضبني في إعتقال هؤلاء الإخوة, هو السذاجة والبساطة والتبعية التي تميز معظم المسلمين, والتي تمنعهم من الفحص والتمحيص والتدقيق, وتقودهم للإنسياق وراء الكثير من ألذين يدعون الدين والمشيخة ويطيلون اللحى, وكأن أسهل الطرق لخداع العامة والبسطاء هي لبس العمامة وإطالة اللحية وأذا خضبتها بالحناء كان ألأمر مقنعاً أكثر.

هؤلاء الأخوة إنساقوا وراء "مشايخ" تعرفوا عليهم بالمسجد الأقصى, هم "مشايخ" مثل باقي المشايخ, يتحدثون بالدين وحب الوطن ومكارم الإخلاق وضرورة إنهاء الأحتلال, بل ينتظمون في الصفوف الأولى لكل صلاة, وهم مثل باقي "المشايخ" يلبسون عمامات ويطيلون اللحى بشكل مبالغ, وهم مثل باقي المشايخ بقيضون معاشات, ولكن معاشات "المشايخ" من جيوب المسلمين وهؤلاء معاشاتهم من حساب الشاباك, وظيفتهم مراقبة المسلمين والمصلين وتقديم التقارير بذالك, وأيضاً استدراج البسطاء من المسلمين لإعتقالهم للحفاظ على ملسلسل التخويف مستمراً, وذالك عن طريق "حلقات تربوية" ودروس دينية.

للأسف وبكل ألم, هؤلاء الشباب كانوا من البسطاء الأنقياء الذين كان من السهل خداعهم, وقد تم خداعهم.

مرت الأشهر والأسابيع والأيام, والغاية من إعتقال الشباب قد إنتهت, فقد كان الهدف هو الإعلام والتخويف وتضخيم الموضوع حين الإعتقال ليبقى مزروعاً في الأذهان, وقد تم ذالك, ولم يبقى على سلطات الشاباك والشرطة إلا أنهاء المحكمة بكل صمت وهدوء.

محكمة الأخ إبراهيم ناشف قد إنتهت, فقد تم أنهاء القضية بصفقة إدعاء, وحسبها تم تعديل لائحة الإتهام بحيث تم تعديل بنود الإتهام من تهم أمنية خطيرة عقوبتها قد تصل إلى 20 سنة, تم تعديلها لتهم بسيطة هي الأنتماء لتنظيم معادي وبأمتلاك مواد دعائية معادية للدولة. حتى هذه التهم هي واهية وعلى الأغلب لا أساس لها, ولكن ظروف القضية تجبر المحامي والمتهم على الرضوخ للواقع وتقبل صفقة إدعاء, تكون هي أفضل الإمكانيات لإخراج المتهم من السجن وتقصير مدة كحكوميته وإعادته لأهله بأسرع وقت.
المحكمة قضت على الأخ إبراهيم ناشف بالسجن 20 شهراً أبتداءً من يوم 10.6.2008, الأمر الذي يعني أن إطلاق صراحه سيكون على أقصى حد 10.2.2010 وهو بعد شهر ونصف من اليوم.

أما الأخ محمد نجم فمحكمته لم تنتهي حتى اليوم بحسب علمي, ونسأل الله أن يفرج كربهه وهمهه وأن يعيده إلى أهله سليماً معافى.

هذه الفترة مرت علينا كلمح البصر, خلالها ربما نسي معظمنا الأخوة إبراهيم ومحمد نجم, ربما نسينا لحظات جميلة وذكريات طيبة كانت لنا معهم, ولكن معظمنا لن ينسى أن طالبين عربيين تم إعتقالهما بتهمة أمنية, لتبقى حالة الخوف والهلع في نفوس شبابنا لتمنعهم حتى من رفع رؤوسهم ومحاولة تغيير واقعهم.

نصيحة هي لكل شباب وشابات المسلمين, حصنوا أنفسكم بالفكر والذكاء والتمحيص, ولا تأخذوا الأمور كأنها مفهمومة ضمناً, وتعلموا النقد والإنتقاد وعدم التسليم بالواقع, ولا يغرنكم الكلام المعسول لذالك "الشيخ" وذالك "الداعية", ولا يبهرنكم زيف اللحى وإعتلاء الصف الأول في الصلاة, وتأكدوا أن كل المشايخ بشر, وفيهم الصادق والكاذب والمنافق, وفيهم من يخدم الدين وفيهم من يهدم في الدين, والأخطر هم من يهدمون الدين دون وعي وشعور, وهم للأسف كثر.

ختاماً إخوتي, إياكم والإنسياق والإنقياد, وكونوا أصحاب شخصيات قوية واعية مفكرة, تخدم دين الله والمسلمين وتدعو للألفة والمحبة بينهم, ولا تدبعوا أهواء غيركم من الخداعين والمخدوعين والمتاجرين بالدين.

ونسأل الله العفو والعافية وحسن الخاتمة لأخوينا إبراهيم ومحمد, وأن يلهم الله أهلهم الصبر والسلوان على مصابهم, وأن يختم بالصالحات أعمالهم.

الأحد، 13 ديسمبر 2009

موسم الحج الى سلوان

في كل صباح ومساء تطالعنا الصحف ومواقع الانترنت بأخبار المتضامنين مع سلوان والحاجين اليها, وتطالعنا تصريحاتهم بصمود أهل القدس في بيوتهم وعلى أراضيهم وخاصة أهالي سلوان, كما وتطل علينا تحليلاتهم وتصريحاتهم بالخطوات التي سيتخذونها للذود عن القدس وعن سلوان وعن مخططات الهدم والتهويد التي تحضرها بلدية القدس مدعومة بالمؤسسة الاسرائيلية بكل أذرعها, الحكومية والقضائية وحتى التنفيذية متمثلة بالشرطة والجيش والشاباك.

الانطباع الذي يظهر جلياً من تصريحات المصرحين وصلوات الحاجين الى سلوان, أن قادتنا لا يزالون في حالة التخبط واحتراف رد الفعل, وأنهم حتى لا يفهمون الوضع والحالة القانونية التي تتواجد فيها القدس الشرقية بشكل عام وحي سلوان وبيوته المهددة بالهدم بشكل خاص, ولذا من الطبيعي أن لا يعرف قادتنا ماذا عليهم أن يفعلوا لحماية القدس ومن البديهي أن لا تكون لديهم أي مخططات فعلية أو خطة عمل لمواجهة مخططات الهدم والتهويد.

فهاك ترى الجميع يصرح بأن بلدية القدس تنوي هدم البيوت في حي البستان في سلوان وعددها 88 بيتاً, وأن البلدية قد أصدرت أوامر هدم بذالك, والسؤال هو هل يعلم أي من قادتنا على أي أساس ووفقاً لماذا تنوي بلدية القدس هدم هذه البيوت؟ وهل نفهم الحالة القانونية لحي البستنان وبيوته المهددة بالهدم حتى نعرف كيف نتعامل مع الموضوع ومع الواقع المفروض؟ وهل نعرف الحالة القانونية لمناطق وبيوت أخرى بالأحياء المختلفة لشرقي القدس مثل رأس خميس وحي العباسية وغيرها؟

الجواب وللأسف وكما يبدو هو لا!

ليس فقط أن قادتنا المختلفين والنوابغ ليسوا على دراية ووعي كافي بالواقع الموجود, بل لا ترى على أرض الواقع أي تأثير فعلي للحركات والمؤسسات العربية والفلسطينية على اختلافها, فترى نشاطها مقتصراً فقط على زيارات لخيمة الاعتصام في سلوان والتقاط الصور من عدسات المصورين واطلاق التصريحات المختلفة والتشديد على أهمية النضال الشعبي والجماهيري.

يمكن القول أنه اليوم قد أصبح جهاز القضاء والمحاكم الاسرائيلية في القدس, أشبه بالمحاكم العسكرية, وباتت قرارات الحكم أشبه بقرارات حكم يكتبها رئيس الحكومة أو رئيس البلدية بنفسه, فترى حتى القضاه- والذين من المفروض أن يكونوا على الحياد وأن يقرروا حسب "القانون" الاسرائيلي وقواعد اللعبة القانونية المفروضة- أصبحوا يسعون لفرض واقع جديد تكون فيه المصالح اليهودية الاستيطانيية في القدس أموراً طبيعية بل ويجب على الجهاز القضائي أن يأخذها بالحسبان لمصلحة المصادقة على هدم البيوت العربية والفلسطينية في البلاد.

القضاء المسيَس والداعم لاستيطان اليهود وتهويد القدس يمتد على طول المحاكم المختلفة في القدس, بداية بمحكمة الشؤون المحلية ( محكمة البلدية) وهي المحطة الأولى بالمصادقة على أوامر الهدم, وثانياً المحكمة المركزية والتي ترسم سياسة قانونية وسوابق قضائية لتهويد القدس وهدم بيوت الفلسطينيين بلباس قانوني, وأخرها المحكمة العليا والتي تتابع وتكمل اللمسات الأخيرة لرسم سياسة تهويد القدس واعطائها صبغة قانونية.

للأسف, بنظر الكثير من المراقبين أصبح جهاز القضاء الاسرائيلي مخترقاً ومسيَساً ويعمل يداً بيد مع الحكومة الاسرائيلية وبلدية القدس من أجل إتمام مشاريع التهويد وهدم بيوت العرب في شرقي القدس, واذا لم يتم مواجهة هذا الخطر فلن يبقى للوجود الفلسطيني بشرقي القدس الا ما تريده المؤسسة الاسرائيلية وبلدية القدس.

لا بد من الإعتراف أن جميع نشاطاتنا ومشاريعنا وخطط عملنا هي ضمن "القانون الاسرائيلي" وحدود اللعبة المرسومة, وهي بنهاية المطاف وبشكل أو بأخر تمر بجهاز القضاء, فإن كان نشاطنا سياسياً متمثلاً بنشاطات سياسية أو اجتماعية, أو قانونياً متمثلاً بدعاوى أو اعتراضات قانونية, أو حتى تخطيطياً وهندسياً من أجل بناء ورسم مخططات هندسية ومعمارية لاستصدار رخص بناء أو تنفيذ مشاريع اعمارية, تمر بطريقة أو باخرى تحت يدي جهاز القضاء الاسرائيلي للمصادقة عليها.

برأينا وبحكم الخبرة والعمل اليومي ومعالجة المئات من قضايا هدم البيوت في شرقي القدس وسلوان, فان "معالجة" جهاز القضاء والتصدي لعملية تسييسه هي أهم المشاريع التي على قيادتنا الجماهيرية فعلها ومواجهتها, والأمر موجه خاصة لأعضاء الكنيست العرب الذين بوسعهم محاولة تغيير الوضع القضائي والتأثير فيه, إما عن طريق اعلاء الموضوع على طاولة الكنيست أو استجواب وزير العدل وغيره من الذين يرسمون سياسة القضاء, أو بعقد مؤتمرات صحفية تفضح قرارت حكم القضاء الاسرائيلي, أضافة لطرق أخرى عديدة لا يتسع الحديث عنها على الشبكة العنكبوتية وضمن مقال واحد.

فلا يمكن ومن غيل المعقول ولا المقبول أن يصدر قرار حكم لقاضي في محكمة العدل العليا يعترف فيه بالحق اليهودي بشرقي القدس وأهمية المنطقة من ناحية دينية يهودية وأثرية وبناءاً عليه يصادق على هدم بيوت الفلسطينيين في سلوان, ولا يكون رد فعل "قانوني" أو تعقيب للقادة وأعضاء الكنيست العرب ولا تتطرق الصحف العربية لهكذا أمر!

تماماً مثل قرار المحكمة المصادقة على المظاهرة الاستفزازية لليمين المتطرف في أم الفحم, فلم تسمع أي شخصية عربية تهاجم المحكمة العليا الاسرائيلية والقاضي الذي أصدر قراراً كهذا أو حتى تحاول التأثير على قرارات المحكمة العليا وهي أكثر القرارات بعداً عن الحياد والموضوعية, فاليوم تقوم المحكمة العليا باصدار قرارات حكم مجحفة وذالك لكسب رأي الشارع اليهودي وتخفيف حدة الهجوم عليها من قبل الشارع اليهودي الاسرائيلي.

هنالك الكثير الكثير ليقال, فحال شعبنا ومؤسساتنا وقادتنا وطريقة عملهم لا تتناسب ولا ترقى لدرجة التحديات, ولكن طول الكلام بوابة الملل وفقدان المقال لمغزاه.

ختاماً وللأسف الشديد, في هذه المعركة مع المؤسسة الاسرائيلية, ترى الجمعيات اليهودية الاستيطانية والمؤسسة الحكومية وبلدية القدس تنفق ملايين الدولارات في مشروعاتها وفي بناء المخططات, ويتبين لك أن لديهم مشروع عمل مدبر ومخطط تقف من ورائه المؤسسة الاسرائيلية بكل جبروتها, أما نحن كعرب وفلسطينيين في هذا البلاد ليس لدينا أي تخطيط ولا نشاط له وزن, ولا خطة عمل لمواجهة التحديات, بل قل ولا أي فعل يذكر يغير ولو القليل من الواقع الموجود, إلا التصريحات الجوفاء ولبس أجمل الملابس في موسم الحج الى سلوان.